عندما أُسدل الستار على كأس العالم قطر 2022 كانت خزائن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) قد استقبلت أعلى عائدات في تاريخ اللعبة بقيمة 7.6 مليارات دولار عن الفترة المالية 2019-2022، وبلغت حصة سنة المونديال وحدها 5.8 مليارات دولار.
أما في الوقت الراهن فإن الاتحاد الدولي للكرة يتطلع لأن يحقق من نسخة 2026 مبالغ أكبر بعد زيادة عدد المنتخبات المشاركة إلى 48 منتخبا، وأصبح إجمالي المباريات التي ستلعبها تلك المنتخبات 104 مباريات ستقام على ملاعب 3 دول لأول مرة (الولايات المتحدة وكندا والمكسيك).
وتتشكل إيرادات فيفا من حقوق البث التلفزيوني (تستأثر بحصة الأسد)، وإيرادات حقوق الرعاية والتسويق، ثم مبيعات التذاكر والضيافة، إضافة إلى حقوق التراخيص.
هذه التدفقات النقدية الضخمة لا تعكس مجرد أرباح رياضية، بل تؤكد التأثير المالي والاقتصادي المتنامي لكرة القدم، وتعاظم دور فيفا، الذي تحول عبر قرن من الزمن من مجرد اتحاد رياضي أطلق أول نسخة رسمية لكأس العالم عام 1930 إلى إمبراطورية مليارية بعد تنظيم نسخة 1998 بفرنسا وحتى يومنا هذا. ولم يخل هذا المسار من توجيه انتقادات لفيفا ودورها الرئيسي في تطوير لعبة كرة القدم.
وخلال 92 عاما (1930-2022) ترافق تنظيم كأس العالم مع تحولات اقتصادية وجيوسياسية كبرى أثرت على جودة التنظيم وقوة اللعبة وحجم الإيرادات والتأثير على البلدان المنظمة.
في هذا التقرير نحلل "اقتصاد فيفا" ونتتبع رحلة "الاتحاد" المالية على مدار نحو قرن من الزمن.
المرحلة الأولى: (1930-1970).. من الهواية إلى البث العالمي
ما قبل نسخة 1970
في البدايات الأولى، كان منظمو كأس العالم لكرة القدم يعتمدون بشكل شبه أساسي، على إيرادات التذاكر ودعم الدول المستضيفة.
وكان المونديال بمثابة حدث رياضي وقومي، بينما كانت المشاهدات محدودة وتعتمد أساسا على الحضور الجماهيري داخل الملاعب، مع تغطية إذاعية وتلفزيونية محدودة نسبيا.
وقد واجه هذا النموذج تحديات كبيرة، في وقت عانت فيه النسخ الأولى قبل 1970 من مشاكل تنقل المنتخبات بسبب تكلفة السفر، وظروف الحرب العالمية الثانية التي أوقفت بعض نسخ المونديال، إضافة إلى مقاطعة من أوروبا وآسيا وأفريقيا لعدد من النسخ لأسباب سياسية ومالية.
وعلى سبيل المثال، وفي دراسة بعنوان "عولمة كرة القدم؟ فيفا وأوروبا وعالم كرة القدم غير الأوروبي، 1912-1974″ نشرت عام 2013، يؤكد الكاتب الفرنسي بول ديتشي أنه على الرغم من اختيار أوروغواي بالإجماع لاحتضان أول كأس عالم لكرة القدم، قررت كبريات المنتخبات الأوروبية البقاء في بلدانها صيف 1930، وبالمقابل رفضت أوروغواي الحضور إلى نسختي 1934 و1938، ردا على ما وصفته بالخذلان من جانب المنتخبات الأوروبية القوية.
وبينما لم يحدد ديتشي سبب رفض الأوروبيين الحضور لنسخة 1930 إلا أنه ذكر أن "الأسوأ.. أن كأس الأمم، وهي مسابقة تجمع أفضل الأندية من عشر دول أوروبية، نُظمت في جنيف في الوقت نفسه الذي أقيم فيه كأس العالم واستحوذت على اهتمام الصحافة الرياضية الأوروبية".
ونظمت النسخة الأولى لكأس العالم -فيفا- بعد سنة من كساد مالي ضرب أمريكا عام 1929، وانتقل إلى بقية العالم، ولم تكن الدول الأوروبية بمنأى عنه، مما شكل تهديدا خطيرا لمونديال أوروغواي، هذه الأخيرة اجتازت التجربة وفازت بالكأس الأولى رغم كل هذه التحديات.
وفي مثال ثان قادت تونس وغانا حملة مقاطعة أفريقية لنسخة 1966 احتجاجا على تخصيص مقعد واحد للتباري بين اتحادات أفريقيا وآسيا وأوقيانوسيا، واعتبرت ذلك ظلما جغرافيا لها، وفق الدراسة نفسها.
وعلى الصعيد المالي لم يحصل فيفا وقتها على إيرادات كبيرة، لكنه أسس لمسار من التطور لمملكته المالية، إذ اشترط في النسخة الأولى (1930) الحصول على 10% من أي أرباح تتحقق من التنظيم، بينما تحملت أوروغواي كل النفقات.
المكسيك 1970.. عصر البث الملون والاندماج الاقتصادي
كان الاتحاد الدولي لكرة القدم على موعد مع لحظة فارقة عند انطلاق نسخة 1970 في المكسيك، فقد ارتبطت تلك النسخة ببداية الانتشار العالمي الواسع للبث التلفزيوني الملوّن، بعد أن كانت نسخة 1954 بسويسرا أول بطولة تباع فيها حقوق البث.
أعيد تنظيم جوانب من البطولة بما يتناسب مع متطلبات البث الدولي، سواء من حيث توقيت المباريات أو الجدول الزمني، لتمكين الجمهور الأوروبي والعالمي من متابعتها، وفق ما بات يوصف بـ"العولمة الاقتصادية للرياضة"، وبدأت عائدات البث التلفزيوني العالمي تتحول إلى مصدر دخل مهم لفيفا إلى جانب عائدات التذاكر.
ويقول الكاتب إريك غوميز في مقال له بموقع شبكة إي إس بي إن (ESPN) إن نسخة 1970 "كانت أول بطولة كأس عالم تبث عالميا.. وأول بطولة تدرك الإمكانات التجارية الكبيرة للرياضة… وشهدت إطلاق ابتكار شهير من شركة أديداس حمل اسم (تيلستار) تيمنا بالقمر الاصطناعي التاريخي الذي جعل البث العالمي ممكنا، وكانت أول مرة يتم فيها اعتماد كرة رسمية لبطولة كأس العالم، مصممة لتناسب البث التلفزيوني وتسهل على المشاهدين تتبعها عبر الشاشات".
ورغم أن عائدات البث آنذاك كانت متواضعة مقارنة بما أصبحت عليه لاحقا، فإن نسخة المكسيك 1970 فتحت أعين "فيفا" على الإمكانات الاقتصادية الضخمة للبث التلفزيوني والرعاية والإعلانات، ومنذ ذلك التاريخ بدأ تدريجيا بدمج التسويق والشركات الإعلامية والرعاة التجاريين ضمن نموذج البطولة، وتحول كأس العالم لاحقا إلى واحدة من أكبر الصناعات الرياضية والإعلامية في العالم.
أما بالنسبة للمكسيك، فلم ينفصل حدث استضافتها نسخة 1970 عما وصف بمرحلة "المعجزة المكسيكية"، التي تميزت بنمو اقتصادي قوي وتصنيع سريع واستقرار نسبي، وفق تحليل نشرته منصة "أمريكاس كوارترلي" (Americas Quarterly).
واليوم -مع استعدادها لاستضافة النسخة الثالثة في تاريخها- أصبحت المكسيك واحدة من أكبر القوى الصناعية والتصديرية في أمريكا اللاتينية، بناتج محلي إجمالي يقترب من تريليوني دولار، مقارنة بعشرات المليارات فقط في سبعينيات القرن الماضي، وفقاً للبيانات التاريخية للبنك الدولي، وهو تحول يعكس كيف انتقلت الدولة، مثل كأس العالم نفسه، من مرحلة الاقتصاد المحلي المحدود إلى الاندماج العميق في الاقتصاد العالمي.
المرحلة الثانية (1974-1990).. عصر التسويق والتحول التجاري
نسخة 1974 (ألمانيا الغربية).. منتج تجاري وإعلامي عالمي
مع انتخاب جواو هافيلانج رئيسا لفيفا عام 1974، بدأت مرحلة جديدة نقلت البطولة من حدث رياضي ذي أبعاد اقتصادية محدودة إلى منتج تجاري وإعلامي عالمي.
لقد نقل هافيلانج البطولة من النموذج التقليدي إلى النموذج التجاري الحديث، وحول فيفا تدريجيا من مؤسسة رياضية شبه مفلسة إلى مؤسسة تسويقية عالمية، باعتماد نموذج أعمال جديد قائم على الرعاية وحقوق البث والتسويق.
ففي عهده جلبت فيفا رعاة رئيسيين للبطولة، وكان دخول شركة المشروبات الغازية "كوكاكولا" راعيا رسميا للمونديال من أبرز التحولات التجارية في تاريخ كأس العالم.
ولم تتوفر بيانات موثقة عن حجم إيرادات فيفا في نسخة ألمانيا الغربية، لكن بعدها نجح الفيفا في إقناع شركة "كوكاكولا" لدفع 10 ملايين دولار مقابل رعاية كأس العالم للشباب عام 1977 في تونس، ثم أصبحت الشركة راعيا رسميا لكأس العالم 1978 في الأرجنتين.
نسختا 1978 و1982.. مأسسة حقوق الرعاية
في نسخة 1978 بالأرجنتين انتقلت البطولة من مرحلة الاعتماد على التذاكر والبث إلى حقبة حقوق الرعاية الحصرية، لتشمل شبكة الرعاة شركات عالمية أخرى مثل أديداس وفيليبس.
واستمر هذا النموذج في التطور والتوسع مع نسخة 1982 في إسبانيا، إذ ارتفع عدد الرعاة إلى 9. وتقول الكاتبة كريستيان أيزنبرغ في دراسة بعنوان "فيفا 1975-2000: استثمارات منظمة لتطوير كرة القدم إنه "ابتداءا من ثمانينيات القرن الماضي فصاعدا سجل الاتحاد الدولي لكرة القدم مستوى مرتفعا وغير متوقع من عائدات حقوق البث التلفزي، وارتبط ذلك بشكل مباشر بتطور استثنائي في الأنشطة التجارية للاتحاد".
ولم ترد بيانات دقيقة عن إيرادات فيفا لنسختي 1978 و1982، لكن ثمة أرقام تعكس تطور هذه الإيرادات، إذ حازت إيطاليا على جائزة مالية قدرها 2.2 مليون دولار بعد فوزها بنسخة عام 1982 بإسبانيا.
وانتهت هذه الحقبة بتأسيس شركة الرياضة والترفيه الدولية (ISL Worldwide) عام 1982 من قبل رجل الأعمال الألماني هورست داسلر (نجل مؤسس أديداس أدولف داسلر) بالشراكة مع وكالة الإعلانات اليابانية العملاقة "دنتسو" (Dentsu). وفازت الشركة الجديدة بالحقوق التسويقية الحصرية لفيفا، وانتهى بذلك تاريخ من علاقة الاتحاد الدولي للكرة مع وكالة "ويست نالي".
وقد امتد عمل الشركة الجديدة (ISL) حتى عام 2001 تاريخ إعلان إفلاسها بعد تراكم ديونها إلى مستوى 300 مليون دولار، وفق مقال بمنصة مبادرة "بلاي ذا غيم" (Play the Game) التابعة للمعهد الدنماركي للدراسات الرياضية.
نسختا 1986 (المكسيك) و1990 (إيطاليا).. ترسيخ النموذج التجاري الموحد
في نسخة 1986 بالمكسيك تم تعزيز البعد التجاري لفيفا بوجود شركة (ISL)، وجرى دمج البث والرعاية وحقوق القنوات والمساحات الإعلانية وحقوق استخدام الشعارات ضمن نموذج تجاري موحد. وبدأت بذلك فيفا مرحلة الاستقلال المالي، مع تثبيت الرعاة الرسميين.
وبحلول عام 1986، بيعت حقوق البث التلفزيوني مقابل 49 مليون فرنك سويسري (27.5 مليون دولار بسعر تلك السنة)، في وقت بلغ إجمالي إيرادات فيفا في تلك السنة 85 مليون دولار.
وشهدت نسخة 1990 مرحلة متقدمة في ترسيخ هذا النموذج التجاري الموحد، بعدما أصبحت الرعاية الحصرية وحقوق التسويق جزءا ثابتا من بنية الإيرادات المالية للبطولة.
وتميزت هذه النسخة بفتح الباب لاحقا أمام مجالات مبتكرة في التسويق والتجارة عبر مبيعات الألبومات الصوتية وألعاب الفيديو الرسمية، وفقا لما ورد في بحث بعنوان "استثمارات كأس العالم لكرة القدم"، من تحرير سايمون تشادويك وآخرين.
وكانت إيطاليا تأمل أن يعطي تنظيم كأس العالم دفعة لاقتصاد البلاد، الذي عانى في ثمانينيات القرن الماضي من صعوبات كبيرة.
وبلغ إجمالي إيرادات كأس العالم وقتها 220 مليون فرنك سويسري (158.4 مليون دولار بسعر تلك الفترة).
وتوزعت هذه الإيرادات حسب وثيقة للمفوضية الأوروبية نشرت عام 1992، وفق التالي:
75 مليون فرنك سويسري (54 مليون دولار) من مبيعات التذاكر.
55 مليون فرنك سويسري (39.6 مليون دولار) من مبيعات حقوق الإعلانات (التسويق والرعاية).
90 مليون فرنك سويسري (64.8 مليون دولار) من مبيعات حقوق البث التلفزي.
وللإشارة يعد الفرنك السويسري العملة الرسمية لفيفا لأن مقره سويسرا.
كما أشارت صحيفة لوموند في تقرير لها إلى أن عائدات البث التلفزيوني بلغت 59 مليون يورو (نحو 69 مليون دولار بالسعر الحالي)، وهو رقم قريب من الرقم الذي كشفت عنه وثائق المفوضية الأوروبية.
المرحلة الثالثة: (1994-2006) العولمة التجارية والتفوق التكنولوجي
نسخة 1994 (أمريكا).. اقتحام السوق الاستهلاكية الكبرى
التحول الأكبر لتنظيم كأس العالم جاء مع نسخة 1994 في الولايات المتحدة الأمريكية حين اقتحمت البطولة سوقا لم تكن معروفة تاريخيا في كرة القدم.
وفتح دخول أكبر سوق استهلاكية في العالم أمام البطولة آفاقا للتوسع التجاري وتأسيس الشراكة مع الرعاة الأمريكيين وتعزيزها مع نظرائهم بالعالم.
في هذه النسخة حصل فيفا على إيرادات من حقوق البث التلفزيوني قاربت 110 ملايين فرنك سويسري (82 مليون دولار)، وهو الرقم الموثق في دراسة بعنوان "اقتصاد كرة القدم في العالم المعاصر: التقييم الاقتصادي لكأس العالم لكرة القدم 2014 في البرازيل"، بينما تشير أرقام رصدتها صحيفة لوس أنجلوس تايمز الأمريكية إلى أن الربح الصافي لفيفا في تلك الدورة بلغ 100 مليون دولار أمريكي.
أما عوائد المونديال كاملا فقد بلغت 1.45 مليار دولار مقابل نفقات بأكثر من 5 مليارات دولار، بحسب تحليل منصة وورلد فايننس.
وتعد هذه الأرقام مؤشرا واضحا على استمرار فيفا في تكريس التحول الكبير لكأس العالم إلى صناعة رياضية وإعلامية عالمية، أو ما بات يعرف بـ"العولمة التجارية".
أما في أمريكا فقد حملت معها هذه النسخة ميلادا فعليا لدوري كرة القدم لأول مرة، وقد كان ذلك شرطا من فيفا لاحتضان المونديال، وعززت بذلك أمريكا مكاسب على المدى الطويل عبر جلب رعاة ومعلنين لهذا المنتج الرياضي الجديد الذي سيتحول إلى منافس لرياضات تاريخية في أقوى اقتصاد في العالم، وفق منصة وورلد فايننس.
نسخة 1998 (فرنسا).. توسيع قاعدة المشاركة وأثر "اليورو"
شهدت نسخة عام 1998 في فرنسا تحولا كبيرا في البنية التنظيمية لكأس العالم، إذ ارتفع عدد المنتخبات المشاركة لأول مرة من 24 إلى 32 منتخبا، مما أدى إلى توسيع قاعدة التمثيل العالمي وإتاحة مساحة أكبر لانتشار اللعبة في مناطق جديدة.
هذا التوسع انعكس مباشرة على زيادة عدد المباريات إلى 64 مباراة، وهو ما ساهم في رفع القيمة التجارية والحقوقية للبطولة بشكل غير مسبوق في ذلك الوقت.
على المستوى الإعلامي، استفادت البطولة من الطفرة التكنولوجية للبث الفضائي في التسعينيات، إذ تم نقل المباريات إلى أكثر من 200 دولة حول العالم، مما جعلها واحدة من أكثر الأحداث الرياضية انتشارا على المستوى العالمي آنذاك.
كما شهدت الحقوق التلفزيونية والرعايات التجارية نموا واضحا، مع دخول علامات تجارية كبرى بشكل أوسع في منظومة التسويق الرياضي الخاصة بفيفا، مما عزز الطابع التجاري للبطولة.
سياسيا واقتصاديا، جاءت البطولة في لحظة أوروبية حساسة، إذ كانت القارة تتجه نحو تعميق مشروع الوحدة الاقتصادية والمالية، مع الاستعداد لإطلاق العملة الأوروبية الموحدة "اليورو"، الذي بدأ استخدامه الرسمي في عام 1999. لذلك تُعد نسخة 1998 آخر كأس عالم تُقام قبل دخول أوروبا مرحلة اليورو، مما منحها رمزية خاصة ضمن سياق التحولات الاقتصادية الكبرى في القارة.
وقد عكس هذا التوسع الهيكلي قفزة في العوائد السنوية للاتحاد الدولي، والتي بلغت قرابة 365 مليون دولار تزامنا مع المونديال، بينها إيرادات البث التلفزيوني بـ120 مليون دولار، وإيرادات التسويق بـ245 مليون دولار، وفق مجلة فوربس.
نسخة 2002 (كوريا واليابان).. الانفتاح على العملاق الآسيوي
في عام 2002 حطّت كأس العالم الرحال لأول مرة في القارة الآسيوية، في انفتاح جديد من فيفا على أسواق اقتصادية عملاقة مثل اليابان وكوريا الجنوبية. ورغم أن القارة لم تكن تملك الإرث الكروي نفسه الموجود في أوروبا وأمريكا اللاتينية، فإنها كانت تعيش واحدة من أسرع فترات النمو الاقتصادي، مدعومة بالصعود القوي للصين، القوة الاقتصادية الإقليمية والدولية، مع معدلات نمو قاربت 8%.
وشهدت هذه النسخة تنظيم البطولة لأول مرة في بلدين، اليابان وكوريا الجنوبية، في خطوة حملت أبعادا رياضية وتجارية في الوقت نفسه، إذ استفادت فيفا من التفوق التكنولوجي الآسيوي، خاصة في مجالات البث والألعاب الإلكترونية والترفيه الرقمي، فدخل كأس العالم مرحلة جديدة توسعت فيها تجربة المتابعة إلى ما هو أبعد من المشاهدة التلفزية التقليدية.
وأنهت فيفا هذه النسخة بإيرادات ومعدلات متابعة أكدت اتساع الحضور العالمي للبطولة وتوسعها داخل الأسواق الآسيوية. وقد دخلت ميزانية الفيفا في هذه النسخة نادي المليار لأول مرة، إذ سجلت إيرادات عام البطولة نحو 1.03 مليار دولار، في حين قدر موقع سبورت فاليو العائدات بـ1.6 مليار دولار.
كما بلغت إيرادات الفترة المالية 1999-2002 – التي رصدها أول تقرير مالي مدقق لفيفا – 2.83 مليار فرنك سويسري (ما بين 1.8 إلى 1.9 مليار دولار بسعر تلك الفترة)، في حين وصل صافي الدخل 115 مليون فرنك سويسري (نحو 75 مليون دولار بسعر تلك السنة).
نسخة 2006 (ألمانيا).. مأسسة تجربة "الفان زون" الجماهيرية
في نسخة عام 2006 بألمانيا، عادت كأس العالم مجددا إلى أوروبا، وهذه المرة إلى أكبر اقتصاد أوروبي آنذاك، بناتج محلي إجمالي تجاوز 3 تريليونات دولار. وفي هذه المحطة من تاريخ البطولة، استفادت فيفا من تطور البنية التحتية الألمانية، وقوة التنظيم، والتقدم الكبير في تقنيات البث التلفزيوني والتصوير والرعاية.
لكن أبرز ما ميّز مونديال ألمانيا كان التوسع الواضح في مفهوم مناطق المشجعين (الفان زون) داخل المدن. ورغم أن ألمانيا لم تكن صاحبة الفكرة، فإنها كرست بشكل رسمي ومنظم تجربة متابعة المباريات في الساحات العامة ومراكز المدن، لتتحول مشاهدة كأس العالم من تجربة مرتبطة بالملاعب وشاشات التلفزيون فقط إلى حدث جماهيري مفتوح في الفضاءات العامة.
وقد ساهمت هذه التجربة في تغيير جزء مهم من الإستراتيجية التسويقية لفيفا، لتصبح "الفان زون" لاحقا عنصرا أساسيا في النسخ التالية من البطولة.
هذا الزخم التنظيمي واكبه نمو مالي ملحوظ، فوفق بيانات فيفا المالية (1 يناير/كانون الثاني 2003 إلى 31 ديسمبر/كانون الأول 2006)، بلغت إيرادات الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) 3.24 مليار فرنك سويسري (نحو 2.59 مليار دولار)، كما بلغت النفقات في هذه الفترة 2.42 مليار فرنك سويسري (1.94 مليار دولار)، ووصل صافي دخل الفيفا على مدى أربع سنوات 816 مليون فرنك سويسري (653 مليون دولار).
وفي سنة المونديال وحدها، بلغت الإيرادات 912 مليون فرنك سويسري (730 مليون دولار) مقابل نفقات بـ609 مليون فرنك سويسري (487 مليون دولار)، ليبلغ صافي الدخل نحو 303 ملايين فرنك سويسري (242 مليون دولار).
وجاءت هذه الإيرادات أساسا من:
البث التلفزيوني بـ 1.66 مليار فرنك سويسري (نحو 1.33 مليار دولار) .
حقوق التسويق والرعاية بـ 714 مليون فرنك سويسري (نحو 571 مليون دولار) .
عائدات الضيافة والتذاكر والتراخيص التجارية بـ480 مليون فرنك سويسري (384 مليون دولار).
عائدات أخرى بـ 386 مليون فرنك سويسري (308 ملايين دولار) .
وعلق فيفا على هذه النتائج بالقول "في نهاية الفترة المالية 2003-2006، وجد الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) نفسه مجددا على أرضية مالية متينة. فعلى الرغم من ضعف الدولار الأمريكي في العام الماضي، حقق فيفا نتيجة استثنائية بفائض قدره 303 ملايين فرنك سويسري (242 مليون دولار)، وهو إنجاز غير مسبوق في تاريخ المنظمة الممتد لما يقارب 103 أعوام".
نسخة 2010 (جنوب أفريقيا).. عصر الهاتف المحمول وتوسع الأسواق
في نسخة عام 2010 بجنوب أفريقيا، انفتحت فيفا على سوق جديدة لم تكن مستغلة بشكل كبير في النسخ السابقة، فتحول كأس العالم أكثر فأكثر إلى منتج عالمي عابر للقارات، بعد تنظيمه في القارة الأفريقية لأول مرة.
وفي هذه النسخة بدأت تظهر أولى ملامح التفاعل الإعلامي الرقمي مع البطولة، بالتزامن مع الانتشار التدريجي للهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي، التي كانت لا تزال في بدايات تشكلها. لقد شكلت هذه النسخة البداية الأولى لارتباط المشجع بالهاتف المحمول أثناء المباراة.
واستفادت فيفا من توسع بيع حقوق البث داخل أسواق جديدة، خاصة مع تعزيز حضور القنوات الأفريقية والعربية والشرق أوسطية، إلى جانب دخول شركاء ورعاة إقليميين جدد إلى المنظومة التجارية للبطولة.
ومن المفارقات أن ظاهرة "الفوفوزيلا" (آلة نفخ بلاستيكية تصدر صوتا قويا استخدمتها الجماهير في ملاعب جنوب أفريقيا في مونديال 2010)، والتي أثارت جدلا واسعا في المباريات، تحولت بدورها إلى مادة إعلامية وتسويقية ساهمت في زيادة الحضور الجماهيري والاهتمام العالمي بالبطولة.
وقد انعكس هذا الانتشار الجغرافي والرقمي على ميزانية فيفا، وبحسب البيانات المالية لفيفا للفترة من يناير/كانون الثاني 2007 إلى 31 ديسمبر/كانون الأول 2010، تمكن الاتحاد الدولي لكرة القدم من تحقيق إيرادات بلغت 4.2 مليار دولار، في حين وصلت النفقات 3.56 مليار دولار، ليصل صافي الدخل 631 مليون دولار.
وفي سنة المونديال، بلغت العائدات 1.3 مليار دولار مقابل نفقات بـ1.1 مليار دولار، لتبلغ النتيجة المالية نحو 202 مليون دولار.
وتولدت إيرادات المرحلة المالية كاملة أساسا عبر:
2.4 مليار دولار من البث التلفزيوني.
1.1 مليار دولار من حقوق التسويق والرعاية.
120 مليون دولار بفضل عائدات الضيافة والتذاكر.
71 مليون دولار من التراخيص التجارية.
510 ملايين إيرادات أخرى.
ووفق البيانات نفسها (تقرير 2010 حدّث على بيانات الفترة من 2003 إلى 2006) تطورت الاحتياطات المالية لفيفا من 76 مليون دولار عام 2003 (سنة بعد مونديال كوريا واليابان) إلى 617 مليون دولار عام 2006 (سنة مونديال ألمانيا) ثم إلى 1.28 مليار دولار عام 2010 (سنة مونديال جنوب أفريقيا).
نسخة 2014 (البرازيل).. أول كأس عالم رقمي وتفاعلي
أما نسخة عام 2014 في البرازيل، فقد جاءت في لحظة الانفجار الرقمي العالمي، إذ لم تعد مباريات كأس العالم مجرد أحداث تنقلها القنوات التلفزية، بل تحولت إلى محتوى يتفاعل معه جمهور مواقع التواصل الاجتماعي لحظة بلحظة.
وأسهم هذا التفاعل الرقمي في تعزيز القيمة التسويقية للبطولة، وفتح أمام فيفا مجالات أوسع لتطوير البث الرقمي وتوسيع الانتشار العالمي للمحتوى الكروي الرسمي.
وفي هذه المرحلة بدأت فيفا تكرس تدريجيا مفهوم اقتصاد الحقوق الرقمية إلى جانب حقوق البث التلفزي التقليدية، مع ارتفاع أهمية الرعاية الرقمية والمحتوى المتداول عبر المنصات الإلكترونية.
كما تحولت بعض اللحظات الرياضية الكبرى إلى ظواهر إعلامية عالمية، وعلى رأسها خسارة البرازيل أمام ألمانيا بنتيجة 7-1، وهي المباراة التي أصبحت واحدة من أكثر الأحداث تداولا على مواقع التواصل الاجتماعي في تلك الفترة، مما أكد دخول كأس العالم مرحلة جديدة يتداخل فيها الحدث الرياضي مع الاقتصاد الرقمي والإعلام التفاعلي العالمي.
ووصفت وقتها نسخة 2014 بكونها "أول كأس عالم رقمي"، فقد كانت أول بطولة تُستخدم فيها الهواتف الذكية وشاشات الأجهزة المحمولة بشكل يوازي أو يتفوق على شاشات التلفزيون التقليدية، لمتابعة الكأس.
وينقل موقع "ديجيتل سباي" للأخبار التقنية عن رئيس فيفا وقتها جوزيف بلاتر قوله "لقد كانت هذه أول بطولة كأس عالم تجمع بين مزايا الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي"، مضيفا "أصبح تطبيق فيفا الرسمي التطبيق الرياضي الأكثر استخداما في العالم، وشهدنا نموا هائلا في حساباتنا على مواقع التواصل الاجتماعي".
وبحسب المصدر ذاته شهدت المنصات الرقمية والاجتماعية التابعة لفيفا مشاركة أكثر من مليار مشجع لكرة القدم في البطولة عبر الإنترنت، كما حقق تطبيق فيفا (FIFA) وحده 28 مليون عملية تنزيل، بينما سجل الموقع الرسمي للاتحاد 107 ملايين مشاهدة.
وعلى صعيد العائدات أشارت البيانات المالية لفيفا للفترة من يناير/كانون الثاني 2011 إلى 31 ديسمبر/كانون الأول 2014، إلى أن الاتحاد الدولي لكرة القدم حقق إيرادات قياسية بلغت 5.72 مليار دولار، في حين بلغت النفقات في تلك الفترة 5.38 مليار دولار، وبلغ صافي الدخل 338 مليون دولار.
وفي سنة المونديال وحدها (عام 2014)، بلغت الإيرادات 2.1 مليار دولار في حين بلغت نفقات العام نفسه 1.95 مليار دولار، ليتمكن فيفا من تحقيق دخل صاف بلغ نحو 141 مليون دولار.
كما بلغ إجمالي العوائد المرتبطة بمونديال البرازيل باعتباره حدثا تجاريا على مدار الدورة المالية بأكملها (2011-2014) نحو 4.8 مليار دولار.
وجاءت إيرادات المرحلة أساسا من:
2.5 مليار دولار عائدات البث التلفزيوني.
1.6 مليار دولار من حقوق التسويق والرعاية.
185 مليون دولار عائدات من حقوق الضيافة.
115 مليون دولار من التراخيص التجارية.
714 مليون دولار إيرادات أخرى متنوعة.
ووفق هذه البيانات انتقلت الاحتياطات المالية لفيفا من 1.28 مليار دولار عام 2010 (سنة مونديال جنوب أفريقيا)، إلى 1.52 مليار دولار بنهاية عام 2014 (سنة مونديال البرازيل 2014).
نسخة 2018 (روسيا).. دمج البث الرقمي واستعادة الاستقرار
رغم الانتقادات التي وُجهت لفيفا وروسيا بشأن تنظيم نسخة عام 2018، ورغم الدعوات التي طالبت بسحب تنظيم مونديال 2018 من روسيا بسبب أزمة القرم عام 2014، والعقوبات الغربية والتوتر مع أوروبا والولايات المتحدة، إلا أن موسكو نظمت واحدة من أفضل نسخ كأس العالم، بفضل تطوير البنية التحتية للملاعب وشبكات النقل والمناطق السياحية، مما جعل البطولة فرصة لروسيا كي تقدم نفسها نموذجا مختلفا عن الصورة الإعلامية التي رسمها عنها الغرب والجدل السياسي المحيط بها.
أما بالنسبة لفيفا، فقد كانت هذه النسخة فرصة لتعزيز بناء نفسها وترسيخ الثقة لدى شركائها بعد الاتهامات التي وُجهت إليها بالفساد.
وبحسب الأمين العام لفيفا وقتها فاطمة سامورا، فقد حققت نسخة 2018 حضورا جماهيريا واسعا، إذ استقطبت أكثر من مليون مشجع في الملاعب، بينما تابعها نحو نصف سكان العالم عبر الشاشات والمنصات المختلفة.
وبحسب البيانات المالية لفيفا للفترة من 1 يناير/كانون الثاني 2015 إلى 31 ديسمبر/كانون الأول 2018، كسب الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) إيرادات إجمالية بلغت مستوى 6.42 مليار دولار، في وقت بلغت النفقات في الفترة نفسها 5.36 مليار دولار، وبلغ صافي الدخل زهاء 1.05 مليار دولار، وهو الأعلى وقتها في تاريخ فيفا.
وبخصوص السنة المالية للمونديال وحدها (عام 2018)، بلغت الإيرادات مستوى 4.64 مليار دولار، في حين بلغت النفقات العام نفسه نحو 2.82 مليار دولار، ونجح فيفا في تحقيق دخل صاف بلغ نحو 1.8 مليار دولار.
وبلغ إجمالي عائدات مونديال روسيا باعتباره حدثا تجاريا على مدار دورة مالية كاملة 5.35 مليار دولار. وتوزعت إيرادات المرحلة المالية (2015 – 2018) أساسا بين:
3.12 مليار دولار للبث التلفزيوني.
1.66 مليار دولار من حقوق التسويق والرعاية.
712 مليون دولار عائدات من حقوق الضيافة ومبيعات التذاكر.
600 مليون دولار للتراخيص التجارية، إضافة إلى إيرادات أخرى.
نسخة 2022 (قطر).. الذروة التاريخية والنموذج الاستثنائي
في نسخة كأس العالم 2022 في قطر، شهدت البطولة أول تجربة عربية في تنظيم الحدث الكروي الأكبر عالميا، إذ تمكنت الدولة المضيفة من تقديم نموذج جماهيري استثنائي على أكثر من مستوى. فقد تميزت الملاعب بقربها الجغرافي الكبير، مما أتاح للجمهور إمكانية متابعة أكثر من مباراة في اليوم نفسه، وهو عنصر ساهم في رفع كثافة التجربة الجماهيرية.
كما دعمت ذلك بنية تحتية نقل متطورة، وملاعب صُممت وفق أعلى معايير الترفيه والجماهيرية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مستويات مرتفعة من الأمن والتنظيم.
وعن هذه النسخة قال رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جيانو إنفانتينو في التقرير الرسمي لفيفا "لم تكن فقط أفضل نسخة في تاريخ البطولة، بل كانت أيضا نسخة أثبتت بشكل قاطع قدرة كرة القدم على توحيد الشعوب، إذ اجتمع مشجعون من جميع أنحاء العالم في مدينة واحدة وما حولها، يتشاركون الأمل والشغف ومتعة كرة القدم في جو من السلام والوئام".
في هذه النسخة بلغ النموذج "الهجين" بين البث التلفزيوني والاستهلاك الرقمي ذروته، وأصبح التفاعل الرقمي موازيا تقريبا في تأثيره للمشاهدة التقليدية.
ولم تعد المباراة مجرد حدث يُتابع على الشاشة، بل تحولت إلى منتج إعلامي متكامل يستهلكه الجمهور من أكثر من زاوية: الحضور المباشر في الملاعب، الشاشات الكبيرة في الساحات العامة، والهواتف الذكية عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي.
لقد تحولت البطولة إلى عصر البث المباشر عبر الإنترنت وتطبيقات الموبايل التي جعلت المشجع لا يكتفي بمشاهدة 90 دقيقة من المباراة بل يتفاعل مع البطولة على مدار الساعة، كما يوضح كتاب استثمارات كأس العالم في طبعته لعام 2022.
وبحسب بيانات فيفا في تقريرها السنوي لعام 2022، فقد تفاعل نحو 5 مليارات شخص مع البطولة عبر مختلف المنصات ومواقع التواصل.
كما سجلت شركة نيلسن أكثر من 93.6 مليون منشور عبر جميع المنصات، مع انتشار رقمي واسع وصل إلى مئات المليارات من مرات الظهور والتفاعل.
وفي الجانب التجاري، وسع فيفا قاعدة الشركاء والرعاة، لتصل إلى أكثر من 30 جهة تجارية مرتبطة بالبطولة، مما عكس حجم التحول الذي شهدته كأس العالم على المستوى الاقتصادي والإعلامي في هذه النسخة.
ومن ميزات هذه النسخة وصول المنتخب المغربي إلى المربع الذهبي كأول بلد عربي وأفريقي، ورفع القائد ليونيل ميسي للكأس مع منتخبه الأرجنتين للمرة الأولى في مسيرته.
وقد استقطبت هذه النسخة إجمالي حضور تراكمي بلغ 3.4 ملايين مشجع، وسافر إلى الدوحة أكثر من مليون زائر. كما سجلت شبكات المترو 9.2 ملايين رحلة خلال دوري المجموعات.
واستنادا إلى البيانات المالية لفيفا للفترة من 1 يناير/كانون الثاني 2019 وحتى 31 ديسمبر/كانون الأول 2022، حقق الاتحاد الدولي لكرة القدم إيرادات تاريخية بلغت 7.57 مليارات دولار، مقابل نفقات نحو 6.38 مليارات دولار، ليبلغ صافي الدخل في الدورة المالية كاملة نحو 1.2 مليار دولار.
وفيما يتعلق بالسنة المالية للمونديال وحدها (عام 2022)، قفزت الإيرادات بشكل استثنائي لتبلغ 5.77 مليارات دولار، مقابل نفقات بحدود 3.4 مليارات دولار، ليحقق فيفا دخلا سنويا صافيا بلغ 2.37 مليار دولار، وهو ما عوض خسائر سنوات توقف فيها النشاط بسبب جائحة كورونا.
وجاءت بنية إيرادات المرحلة المالية (2019 – 2022) أساسا كالآتي:
3.4 مليارات دولار من البث التلفزيوني.
1.79 مليار دولار من عائدات حقوق التسويق والرعاية.
949 مليون دولار كعائدات من حقوق الضيافة ومبيعات التذاكر.
769 مليون دولار من التراخيص التجارية.
نحو 629 مليون دولار كإيرادات أخرى.
واستمرت الاحتياطيات المالية لفيفا في تحطيم الأرقام السابقة؛ حيث قفزت من 2.74 مليار دولار عام 2018 لتبلغ 3.97 مليارات دولار بنهاية عام 2022.
وقد وصف فيفا في تقريره المالي نسخة قطر بأنها كانت الأعلى ربحية في تاريخ تنظيم المونديال.
نسخة 2026 (أمريكا، كندا، المكسيك).. ثورة الذكاء الاصطناعي وماذا بعد؟
تفصلنا أسابيع قليلة على انطلاق نسخة استثنائية أخرى ضمن مسار تطور تنظيم كأس العالم لكرة القدم.
في هذه النسخة الأولى من نوعها التي ستقام في ثلاث دول (الولايات المتحدة وكندا والمكسيك) والأولى التي ستشهد مشاركة 48 منتخبا وإقامة 104 مباريات سيختبر الاتحاد الدولي لكرة القدم قدرته على الاستفادة من ثورة الذكاء الاصطناعي لتكريس تجربة استثنائية أخرى على الصعيد الرياضي والاقتصادي والتجاري، في حين يتوقع الاتحاد جني إيرادات تبلغ 13 مليار دولار للدورة المالية كاملة (8.9 مليار دولار في سنة المونديال) ، مقابل نفقات تبلغ 12.9 مليار دولار (6.4 مليار دولار في سنة المونديال)، وبدخل صاف يبلغ 100 مليون دولار، حسب تقرير مالي حديث له.
ولتحقيق هذا الهدف، أعلن فيفا عن شراكة تكنولوجية مع شركة لينوفو "Lenovo" لتوفير مجموعة من الخدمات التكنولوجية من الذكاء الاصطناعي إلى الأجهزة والبنية التحتية لمراكز البيانات، وذلك بغرض تعزيز تجربة المشجعين وتحسين جودة البث العالمي، وتطوير اللعبة عبر العالم.
وفي يناير/كانون الثاني الماضي تم الكشف عن مجموعة من الابتكارات الكروية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بينها:
"فوتبول إيه آي برو"، وهو مساعد يعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي التوليد، ويضطلع هذا النموذج الضخم بمهمة تحليل المباريات بناء على بيانات تم تجميعها عبر عقود من البطولات.
الأفاتار ثلاثي الأبعاد المدعوم بالذكاء الاصطناعي، ويقوم على إجراء مسح رقمي للاعبين المشاركين في المونديال القدم بهدف إنشاء نموذج دقيق بتقنية ثلاثية الأبعاد، يتلتقط أبعاد أجزاء الجسم ويُتيح تتبع حركات اللاعبين بشكل موثوق أثناء التنقلات السريعة أو تلك التي تتخللها مُعوّقات.
نسخة جديدة من نظام بث اللقطات من كاميرا حكم المباراة، بنيت على النسخة الأصلية التي تم اعتمادها العام الماضي من كأس العالم للأندية فيفا. وتستخدم النسخة الجديدة برنامج تثبيت يعمل بالذكاء الاصطناعي، سينقل اللقطات المصورة عبر كاميرا الحكم في الوقت الفعلي، وذلك بهدف تعزيز الشفافية والفهم والتفاعل طوال المباراة.
ووفق فيفا "تأتي هذه الابتكارات التكنولوجية لتؤكد تركيزه الإستراتيجي على الابتكار الرقمي والذكاء الاصطناعي، تماشيا مع ما تنص عليه الأهداف الإستراتيجية للعبة العالمية: 2023-2027".
ووفق تقرير الفيفا تقدر النفقات الإجمالية لكأس العالم 2026، 13.9 مليار دولار، تشمل الاستثمارات الرأسمالية، وتكاليف المدن المضيفة، وميزانية الفيفا، والإنفاق السياحي المتوقع لأول بطولة كأس عالم لكرة القدم تضم 48 فريقًا في ثلاث دول، كما أشار إلى ذلك تقرير للفبفا بعنون "تحليل الأثر الاجتماعي والاقتصادي لكأس العالم 2026".
انتقادات لدور فيفا
لم تكن رحلة فيفا خلال قرن من الزمن لتمر دون توجيه انتقادات له، حيث اعتبر البعض أنها تحولت تدريجيا من مؤسسة رياضية تهتم بتطوير اللعبة إلى مؤسسة تجارية تمنح منطق الربح والعوائد أولوية على حساب شغف كرة القدم ومبادئ المنافسة والعدالة.
لكن الاتحاد كان دائما يرد على هذه الانتقادات بكونه يخصص بين 70% إلى 80% من إيراداته لتطوير اللعبة خاصة في البلدان التي تحتاج إلى تطوير.
كما لم تمر دون توجيه انتقادات لفيفا على مستوى الشفافية والحوكمة وملفات الفساد، بيد أن الاتحاد أعلن أنه دشن مرحلة تصحيح داخلي جعلته الآن مؤسسة تبلغ احتياطياتها المالية نحو 4 مليارات دولار، مما سيجعلها تضطلع بأدوارها الرياضية والإنسانية والاجتماعية، كما يقول.
آخر هذه الانتقادات تركزت على سعر التذاكر لحضور مباريات كأس العالم المقبلة (2026)، وكان من بين المنتقدين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب نفسه الذي قال في تعبير بات شهيرا: "لن أدفع هذا المبلغ"، معلقا على ارتفاع أسعار تذاكر مباراة بلاده الافتتاحية مع بارغواي إلى أكثر من 1000 دولار.
وقد كان مثيرا للانتباه أن أكبر نمو لإيرادات فيفا في نسخة 2026 ستأتي من حقوق الضيافة والتذاكر التي انتقلت من 949 مليون دولار في نسخة قطر 2022 إلى 3.6 مليارات دولار بسبب ارتفاع أسعار التذاكر وزيادة عدد المباريات إلى 104 مباريات، بعد رفع عدد المنتخبات المشاركة لأول مرة إلى 48 منتخبا.